القاضي عبد الجبار الهمذاني

415

شرح الأصول الخمسة

يرجع إلى الفعل ، والآخر يرجع إلى الفاعل . والراجع إلى الفعل فهو أن يكون إحسانا ، والراجع إلى الفاعل هو أن يكون قاصدا به وجه الإحسان إليه . وهذه هي الشروط التي معها يستحق المدح والذم على الأفعال . وأما الشروط في استحقاق الثواب والعقاب على الأفعال فكالشروط في استحقاق المدح والذم عليهما ، غير أنه لا بد في اعتبار شرط آخر فيهما ، وهو أن يكون الفاعل ممن يصح أن يثاب ويعاقب ، وإن شئت قلت الشرط : هو أن يكون الفاعل ممن يفعل ما يفعله لشهوة أو شبهة ، ولذلك قلنا : إن الهنود يستحقون على إحراقهم أنفسهم العقوبة من جهة اللّه تعالى وإن كانوا لا يفعلون ما يفعلونه لشهوة بل لشبهة اعترضتهم ، وهو أنهم يتخلصون بذلك من عالم الظلمة إلى عالم النور ، وإنما لم يكن بد من اعتبار هذا الشرط ، لأنه لو لم يعتبر للزم استحقاق القديم تعالى العقوبة ، ومعلوم أنه لو قدر وقوع القبيح من جهته لم يستحق العقوبة ، وإن استحق الذم ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا . فهذه جملة الشروط التي يجب اعتبارها في ذلك . فإن قيل : هذه الشروط المعتبرة في استحقاق المدح والذم والثواب والعقاب ، فما المؤثر في ذلك ؟ قيل له : فعله القبيح هو المؤثر ، وما عداه شرط . وإنما قلنا : إن هذا هكذا ، لأنه لا يجوز في علمه بقبح القبيح أو تمكينه من ذلك أن يكون مؤثرا في استحقاق العقاب ، فإن ذلك مما يكون من قبل اللّه تعالى ، وفعل اللّه تعالى لا يجوز أن يستحق عليه العقوبة ، وإنما يستحق العقاب على ما يفعله لا غير ، هذا في الذم والعقاب . المؤثر في استحقاق المدح والثواب : وأما المؤثر في استحقاق المدح والثواب ، فهو فعله للواجب ، واجتنابه للقبيح وما يجري هذا الجري ، وما عداه شرط فيه . وإذ قد عرفت هذه الجملة ، فاعلم أنه تعالى إذا كلفنا الأفعال الشاقة فلا بد من أن يكون في مقابلها من الثواب ما يقابله ، بل لا يكفي هذا القدر حتى يبلغ في الكثرة حدا لا يجوز الابتداء بمثله ولا التفضل به ، وإلا كان لا يحسن التكليف لأجله . وإنما قلنا : إن هذا هكذا ، لأنه لو لم يكن في مقابلة هذه الأفعال الشاقة ما